عفيف الدين التلمساني

94

شرح مواقف النفري

العلم فتصدأ مرآته بالجهل فقد احترقت أيضا علميته ؛ هذا معنى الاحتراق في العلم . ب - وأما الاحتراق في المعرفة فهو أيضا بوصفين : 1 - أحدهما هو أن يرقى إلى الوقفة فتحترق معرفته في محوه بالوقفة ، وذلك يشبه الاحتراق الحاصل للعلم بنور المعرفة ، والاحتراق هنا قرب . 2 - والوصف الآخر هو أن يتنكر عليه ما شهده من الحضرات الأسمائية بما شهده من حضرات أخرى أسمائية ، وصفة ذلك أن يشهد الحق تعالى من حيث اسمه المعطي فيرى أن لا عطاء باللّه في الوجود إلا للّه تعالى ، فيرى كل يد معطية هي يد الحق ، وفي هذا المشهد جسر من عرف منه الورع الشديد حتى تناول من أيدي أهل المكوس ، واغتذى من مطاعمهم لا مكرا كما يظنه من لا كشف له ، إن اللّه تعالى مكر بهم ، بل رقيّا في درجات شهود هذا الاسم العظيم ، كما ورد أن أربعين سائحا قصدوا مكة مكاس كان في عيذاب وهي بلد بشاطىء بحر جدة ، وقد حضهم الجوع فأحضر لهم ذلك المكاس طعاما ، فامتنع منهم تسعة وثلاثون نفرا عن الأكل ، وأكل واحد منهم ، فلما خلوا به طالبوه كعادة الصوفية وسألوه بعد أن علموا أنه صادق في مقاله عدل في حاله ، فقال لهم : واللّه لو كنتم ألفا ثم أكلتم أجمعكم لقمة واحدة لأظلمت بواطنكم ، ولو قبضت أنا يدي من الأكل وأنا أرى اليد المعطية لأظلم قلبي ، فنعود ونقول : إن صاحب هذا المشهد الشريف ، إذا ورد مشهدا هو في مقابله هذا الاسم ، وهو الاسم المانع حتى لا يرى غيره تعالى مانعا ، فإنه قد ينكر عليه المشهد الأول لاشتغاله بما هو في مقابلته ، فيكون هذا التنكر خروجا من العارف عن تلك المعرفة الخاصة ، فيحترق إذ ذاك بالخروج عن معرفته ، وهذا الخروج هو بعد ، إلا أن هذا الخروج لا يدوم ، ووجه خلاصه منه أن يشهد الحق تعالى في الحد ؛ وذلك أن لكل حضرة اسما ظاهرا وباطنا ، وحدّا ، ومطلعا ، فإذا شهد سيده في الحد ، والحد هو الذي يجمع بين طرفي المحدودين بوجه مشترك فيلحظ الجامع لذينك الاسمين في نوره تعالى ، فيحصل له المطلع ، وبالمطلع يجتمع له التحقق بالاسمين المتقابلين ، وحينئذ ينقلب ذلك البعد قربا ، ولكن يكون ذلك القرب بوجه أتم وأكمل ، فهذان الوصفان هما احتراق العارف إذا خرج عن المعرفة .